في أعالي المرتفعات الغربية لليمن حيث تتدرج الجبال في طبقات خضراء من المدرجات الزراعية وحيث تتشكل الحياة في تناغم دقيق بين الإنسان والطبيعة منذ آلاف السنين يبدو المشهد وكأنه تجسيد حي لمعنى الاستقرار البيئي الذي طالما ميّز هذه الأرض. في هذا السياق تتردد الآية القرآنية وكأنها وصف دقيق لهذه الجغرافيا الفريدة ﴿بلدة طيبة ورب غفور﴾ حيث ارتبطت خصوبة الأرض وغناها الحيوي بتاريخ طويل من التفاعل المتوازن بين الإنسان وبيئته.

اليمن ليس مجرد امتداد جغرافي في جنوب شبه الجزيرة العربية، بل يمثل نقطة التقاء نادرة لثلاثة أقاليم أحيائية كبرى الأفريقي والآسيوي والباليوأركتيكي وهو ما أكسبه تنوعًا بيئيًا استثنائيًا جعله من أغنى مناطق الشرق الأوسط بالتنوع الحيوي. هذا الموقع الفريد إلى جانب التباين الكبير في التضاريس من السواحل إلى الجبال إلى الصحاري خلق فسيفساء بيئية غنية تضم آلاف الأنواع النباتية والحيوانية والكائنات الدقيقة.

في أرخبيل سقطرى تقف شجرة دم الأخوين كرمز لهذا التفرد حيث لا توجد في أي مكان آخر في العالم تقريبًا وتشير الدراسات إلى أن نسبة الأنواع النباتية المتوطنة في الأرخبيل تصل إلى مستويات عالية للغاية. وعلى امتداد السواحل اليمنية تنتشر غابات المانغروف التي تمثل حضانة طبيعية للأحياء البحرية بينما تزدهر الشعاب المرجانية في البحر الأحمر وخليج عدن مشكلة أحد أهم النظم البيئية البحرية في المنطقة. وفي المرتفعات الجبلية عاشت أنواع نادرة مثل الوعل العربي والغزال العربي والنمر العربي التي تمثل اليوم بقايا منظومة بيئية كانت أكثر غنى واتزانًا.

هذا التنوع الحيوي لم يكن مجرد قيمة بيئية مجردة، بل شكل أساسًا حقيقيًا للحياة في اليمن فقد وفر الغذاء من خلال الزراعة والرعي وأسهم في الطب التقليدي عبر مئات النباتات الطبية كما دعم الاقتصاد الوطني من خلال قطاع الأسماك والموارد الطبيعية المختلفة . كما لعب دورًا محوريًا في حماية التربة من الانجراف وتنظيم الموارد المائية والحفاظ على التوازن المناخي المحلي.

غير أن هذا الإرث الطبيعي يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة. فإلى جانب العوامل التقليدية مثل الرعي الجائر وقطع الأشجار والتوسع العمراني غير المنظم برز عامل أكثر خطورة يتمثل في آثار العدوان وما خلفه من دمار واسع للبنية البيئية. فقد أدى استهداف البنية التحتية وتلوث التربة والمياه وتدمير الغطاء النباتي إلى تسريع وتيرة تدهور النظم البيئية بشكل كبير وأسهم في اختفاء أو تراجع العديد من الأنواع النباتية والحيوانية.

إن القصف المباشر وغير المباشر للبيئة الطبيعية والتسربات النفطية والتلوث الناتج عن مخلفات الحرب كلها عوامل ساهمت في الإخلال بالتوازن البيئي كما أدت إلى تدمير موائل طبيعية حساسة كانت تمثل ملاذًا لأنواع نادرة. ولم يقتصر الأثر على الكائنات الكبيرة، بل امتد ليشمل الكائنات الدقيقة التي تشكل الأساس الخفي للأنظمة البيئية بما في ذلك التنوع الميكروبي في التربة والمياه والذي يلعب دورًا حاسمًا في خصوبة التربة ودورة المغذيات.

تشير التقارير إلى أن التدهور البيئي في اليمن يتسارع بشكل مقلق حيث تتراجع المساحات الخضراء وتزداد معدلات التصحر وتتعرض الموارد المائية لضغوط شديدة نتيجة الاستنزاف والتلوث. وفي البيئات البحرية تتعرض الشعاب المرجانية والموائل الساحلية لخطر حقيقي نتيجة الصيد غير المستدام والتلوث والتغيرات البيئية المتسارعة.

وفي ظل هذه التحديات يصبح الحفاظ على التنوع الحيوي في اليمن ليس خيارًا بيئيًا بل ضرورة وطنية واستراتيجية. ففقدان هذا التنوع لا يعني فقط خسارة موارد طبيعية، بل يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والصحي والاقتصادي.

لقد أدركت اليمن أهمية هذا الملف مبكرًا من خلال انضمامها إلى اتفاقية التنوع الحيوي وإعداد الاستراتيجية الوطنية للتنوع الحيوي والخطط المرتبطة بها. كما تم تحديد العديد من المناطق ذات القيمة البيئية العالية التي تحتاج إلى الحماية مثل جبل بُرَع ومحمية حوف وسقطرى. إلا أن التحدي الحقيقي ما يزال يكمن في تحويل هذه السياسات إلى واقع عملي في ظل محدودية الإمكانيات والظروف الراهنة.

إن المرحلة الحالية تتطلب إعادة توجيه الجهود نحو فهم أعمق لهذا التنوع الحيوي واستثماره بشكل مستدام. ويبرز هنا دور البحث العلمي كأداة رئيسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فاليمن يمتلك ثروة هائلة من النباتات الطبية والموارد الوراثية الزراعية والتنوع الميكروبي الذي لم يُدرس بعد بشكل كافٍ فضلًا عن الثروات البحرية الغنية التي يمكن أن تشكل ركيزة للتنمية المستدامة.

إن تكثيف الدراسات البيئية والمسوحات الميدانية وإنشاء قواعد بيانات وطنية للتنوع الحيوي يمثل خطوة أساسية لفهم حجم الخسائر وتحديد أولويات الحماية كما أن دعم الجامعات ومراكز البحث العلمي وتمكينها من إجراء أبحاث تطبيقية في مجالات البيئة والتنوع الحيوي يعد من أهم متطلبات المرحلة القادمة.

وفي الوقت ذاته لا يمكن إغفال دور المجتمعات المحلية التي كانت عبر التاريخ جزءًا من منظومة إدارة الموارد الطبيعية حيث يمكن الاستفادة من المعرفة التقليدية في بناء نماذج مستدامة لإدارة البيئة.

إن اليمن اليوم يقف أمام مفترق طرق بيئي حاسم فإما أن تتضافر الجهود لإعادة ترميم النظم البيئية والحفاظ على هذا التنوع الحيوي الفريد أو أن يستمر التدهور حتى يصل إلى نقطة اللاعودة.

في تلك الجبال التي لا تزال تحتفظ ببعض ملامح الخضرة وفي تلك السواحل التي ما زالت تنبض بالحياة وفي تلك الجزر التي تقاوم العزلة والتغير تكمن فرصة أخيرة لإعادة التوازن. إنها معركة صامتة لكنها مصيرية معركة من أجل البقاء ليس للكائنات وحدها، بل للإنسان ذاته.