المياه أصل الحياة، وأساس الحضارة، وعنوان الاستقرار. حيثما وجدت المياه وجدت الحياة، وازدهرت المدن، وتقدمت المجتمعات. فالمياه أساس النمو الاقتصادي وعمود الإنتاج الزراعي، ومصدر فرص العمل لملايين الأسر، ودعامة الأمن الغذائي والدخل القومي، كما أن المياه تؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة، والتعليم، والسياحة، والاستقرار الاجتماعي، وجميع نواحي الحياة.

لكن المياه أيضاً ليست مجرد مورد طبيعي حيوي، أو ركيزة الأمن القومي والإزدهار الإقتصادي فحسب، بل باتت المياه محور النزاعات والصراعات في الأقليم والعالم كما هو الحال في أزمة سد النهضة بين مصر والسودان وأثيوبيا وأزمة نهر السند بين الهند وباكستان و أزمة حوض نهر الأردن بين الكيان الإسرائيلي والأردن وسوريا ولبنان وفلسطين.

واقع المياه في اليمن: وفي اليمن، تشكّل المياه ركيزة حيوية للأمن القومي الداخلي، حيث أدت النزاعات على المياه إلى تصاعد التوترات بين المجتمعات المحلية، وتهديد جدي للسلم الاجتماعي في معظم المرتفعات الجبلية وأيضاً بطون الأودية اليمنية، حيث أوردت بعض التقارير الأممية أن 70% من القضايا المنظورة في المحاكم حتى الجنائية منها منشأها في الأصل نزاع على المياه، وباتت الخلافات بين القبائل اليمنية تعج بها الجهات الأمنية وهيئة الموارد المائية ومعظم المحاكم والجهات القضائية. لقد بات الجفاف والهجرات الناتجة عنه ليست مجرد قصص تاريخية كهجرة اليمنيين إثر إنهيار سد مأرب، بل أصبح واقعاً يتكرس بشكل يومي في الهجرات الكثيفة من الأرياف إلى المدن نظراً لتراجع الموارد المائية وبالتالي خيارات الإقتصاد الريفي في اليمن.

تستهلك اليمن سنويًا 5.1 مليار متر مكعب من المياه، في حين أن الموارد المتجددة من المياه لا تتجاوز 2.5 مليار متر مكعب في السنة. أي أن أكثر من نصف احتياجاتنا تُسحب من خزانات المياه الجوفية التي تراكمت عبر آلاف السنين، وتم استنزاف الجزء الأكبر منها خلال الأربعة العقود الماضية. فبينما لا يتجاوز عدد الآبار الجوفية في بلد كالأردن 3500 بئر، يتجاوز عدد الآبار الجوفية في منطقة بني حشيش وحدها 5000 آلاف بئر، كما تجاوز العدد الإجمالي للآبار الجوفية في اليمن عتبة ال 100 ألف بئر عام 2010م وزادت معدلات حفر الآبار بوتيرة عالية خلال العقد الماضي. لقد باتت معدلات هبوط مناسيب المياه الجوفية في كل الأحواض الجوفية في اليمن تتراوح من 2 الى 7 متر سنوياً.

وإذا كان معدل السحب السنوي في اليمن ضعف كمية المياه المتجدده فهذا يعني حقيقة واحدة وهي أن القضية مسألة وقت – سواء طالت المدة أو قصرت - و من ثم ستجف هذه الأحواض الجوفية وينكشف المزارع اليمني في عموم الجمهورية اليمنية وتخرج اسثمارات الزراعة المروية عن الجدوى الإقتصادية، ويجد الملايين من أبناء اليمن أنفسهم بلا سبل عيش وبلا بدائل حقيقية للإقتصاد الريفي، وسيتسبب الدخول الواسع لإستخدام المنظومات الشمسية إلى جانب تغير المناخ في التسريع بالوصول إلى هذه المرحلة وجفاف الأحواض مالم نكن جادين ومسئولين في التعامل مع المياه كثروة وطنية أهم من ثروة النفط وقضية أمن قومي حقيقي.

إرث حضاري ونماذج متقدمة: لقد عاش اليمني منذ آلاف السنين متناغماً مع بيئته، ومنسجماً مع موارده الطبيعية وشكّل حضارة عريقة وفريده لا زالت آثارها حتى يومنا هذا إعتمد اليمنيون فيها على أساليب حصاد مياه الأمطار، وعلى المدرجات الزراعية الواسعة الإنتشار التي تفوق في مجموع حجم المياه التي تحتجزها وتحصدها السدود العملاقة، إلى جانب إنشاء السدود التحويلية وليس التخزينية التي تتعرض للبخر ولأشعة الشمس لفترات طويلة. لقد رافق تشييد البنية التحتية للموارد المائية أنظمة تحصيص مياه غاية في الدقة والإبداع وحقوق مائية مسجلة وواضحة وأعراف مائية عادلة ونافذه، مع إعطاء الأولوية للاستخدام السكني ومياه الشرب كما هو الحال في أغلب العيون والغيول.

إنتهج اليمنيون أيضاً نهج الزراعة المطرية كعمود للإقتصاد الوطني والإكتفاء الذاتي من خلال إتباع أساليب وممارسات وثقافات زراعية متقدمة ومستدامة شملت تنوع في المحاصيل الزراعية المطرية المنسجمة مع الموارد المائية والمناخ المحلي المتاح في كل منطقة على حده، والتي إنعكست بدورها في تنوّعٍ غنيّ وفريد لوجبات الغذاء في مختلف مناطق اليمن معتمدة على محاصيل الحبوب المطرية كالشعير والدخن والذرة الرفيعة وغيرها، والتي شكّلت هوية إستهلاك غذائي صحي ومستدام للمواطن اليمني.

نقطة التحول: ظلت الإدارة المستدامة للموارد المائية إحدى سمات الحضارة اليمنية الموروثة سالفاً عن سالف، حتى جائت فترة طفرة النفط حيث شهدت الثمانينات هجرة ريفية مكثفة إلى البلدان المجاورة، إنعكست على نمو مداخيل سكان الريف إلى جانب الزيادة السكانية الكبيرة. رافق ذلك تشجيع ودعم الحكومة في الثمانينات للتحول من الزراعة المطرية إلى الزراعة المروية للمحاصيل النقدية من خلال دعم إستيراد الحفارات ودعم إستيراد المضخات و دعم سعر الديزل المستخدم للري و تشجيع التسليف الحكومي للمزارعين (بنك التسليف الزراعي) في التحول إلى الزراعة المروية وفي كثير من الأحيان تم إستخدام مثل هذه الحوافز الإقتصادية كأدوات سياسية دون رؤية إستراتيجية ناضجة.

لم يمضي سوى عقدين من الزمن حتى باتت الحكومة اليمنية تعاني من الآثار السلبية الواسعة لسياسات الزراعة المروية غير المدروسة بشكل جيد، تمثلت في هبوط حاد جداً لمناسيب مياه الآبار تجاوز الألف متر أحياناً واستنزاف فضيع للثروة المائية الوطنية التي تجمعت خلال آلاف السنوات في الأحواض الجوفية لليمن في غضون أقل من ثلاثة عقود. والمؤسف أننا حالياً نزرع رقعة زراعية أقل مما ورثناه من آبائنا والتي ورثناها مع أحواض وخزانات مائية وعيون وغيول كثيرة لم يتم إستنزافها بل تم صيانتها وتنظيمها وإدارتها بشكل مستدام، واستلمتها الأجيال كما هي – جيلاً بعد أخر – حتى العقود الأخيرة التي كان أبرز ملامحها إستنزاف هذه الأحواض المائية بالحفر العشوائي للآبار والتوسع الغير منضبط في الزراعات المروية.

:التحول نحو المستقبل المستدام إن أول ما يجب أن نتنبّه إليه هو وجوب التعامل مع المياه كقضية أمن قومي وطني عالية الحساسية يجب أن تكون في أعلى سلم أولويات الدولة وتبرز كقضية أولى في أجندة الكيانات المجتمعية المحلية. بعد ذلك يجب أن تتبنى مؤسسات الدولة نهج إدارة الطلب على المياه وترشيد إستخدام المياه بشكل فاعل عبر التركيز على رفع كفاءة الري في اليمن من متوسط 35% الى ما لايقل عن 70% وهو ما يضاعف عمر أحواض المياه الجوفية و يكون بمثابة إغلاق ما يزيد عن 50 ألف بئر مياه جوفي. و يشمل رفع كفاءة الري الإهتمام بقنوات نقل وتوزيع المياه في الوديان بما في ذلك الإستثمار في القنوات الثلاثية في الوديان إلى جانب إستخدام تقنيات الري الحديث (التنقيط والري المحوري) في زراعة المرتفعات الجبلية.

يلي ذلك اتباع نهج الإستثمار في الزراعة المطرية وإنجاحها وإنشاء سلاسل قيمة فعّاله لمحاصيلها في الوديان السهلية والمرتفعات الجبلية لتكون الزراعة المطرية هي عمود الإنتاج الزراعي اليمني. وفيما يخص الزراعة المروية، يجب تعزيز التوجه نحو الزراعة الرأسية المروية بالمياه الجوفية في المرتفعات والهضاب الجبلية بما في ذلك زراعة البيوت المحمية والزراعة المائية.

ومن ضمن الخطوات الضرورية التي يجب إتباعها هي الإستثمار في منشئات حصاد مياه الأمطار على نطاق واسع بما في ذلك إلزام كل بئر يتم الترخيص بحفره بإنشاء منشأة لتغذية المياه الجوفية في أقرب نقطة ملائمة جيولوجيا للبئر إلى جانب عدم ترخيص أي بئر لأعماق دون ال 500 م وحجز الطبقات تحت هذا الحد حصراً لمياه الشرب وأغراض الإستهلاك السكني. وفي هذا الصدد، يجب علينا التطرق بجديه إلى إشكالية تفتت حيازات الأراضي بسبب تضاعف عدد الملاك وتصاغر مساحة حيازة الأراضي للمزارع اليمني نتيجة توزيع وتقسيم المواريث دون وجود الية بيع وتمليك واضحة للأراضي التي تم تفتيتها الى درجة أخرجت الحيازات الزراعية خارج الحد الأدنى من الجدوى الإقتصادية، وساهمت في تدهور المدرجات الزراعية في عموم اليمن وهي أحد أهم أساليب حصاد مياه الأمطار في البلد.

وأخيراً، يجب إشراك المجتمع المحلي في إدارة مصادر المياه ومنشآت المياه في الوديان والمرتفعات الجبلية حيث أظهرت التجربة خلال العقود الماضية أن الأدوات المؤسسية الحكومية ذات أثر ضعيف جداً في الميدان ولا يمكن تحقيق إختراق حقيقي في إدارة الموارد المائية في اليمن دون أن يكون المجتمع المحلي هو اللاعب الرئيسي في ذلك.

إن مستقبل اليمن مرهون حرفياً على الثروة المائية لليمن ويجب أن نتعامل معها كقضية أمن قومي وطني وأولوية عليا يعتمد عليها إقتصاد اليمن وإستقراره ورخاء وإزدهار أبناءه والمطلوب هو التكاتف لنقل هذه الرسالة إلى كل فرد في هذا البلد سواء كان مزارعاً بسيطاً أو مسئولاً كبيراً أو أي شريحة أخرى من شرائح المجتمع.

تحية لكل العاملين والأكاديميين في قطاع المياه في اليمن، ولكل من يحمل همّ الوطن ومستقبل أبنائه.